عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
19
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
وقد تقرب إلى هذا الصنم بما عز عليه من أمواله وذخائره ، حتى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية في تلك البقاع ، وامتلأت خزانته من أصناف الأموال . وفي خدمته من البراهمة ألف رجل يخدمونه ، وثلاث مائة رجل يحلقون رؤوس حجاجه ولحاهم عند الورود عليه ، وثلاثمائة رجل وخمس مائة امرأة يغنون ويرقصون عند بابه ، ويجري من الأوقات المصدرة له لكل طائفة من هؤلاء رزق معلوم . وكان بين المسلمين وبين القلعة التي فيها الصنم المذكور مسيرة شهر في مفازة موصوفة بقلة الماء وصعوبة المسالك واستيلاء الرمل على طرقها . وسار إليها السلطان محمود في العدد المذكور مختاراً له من عدد كثير ، وأنفق عليهم من الأموال ما لا يحصى ، فلما وصلوا إلى القلعة وجدوها حصناً منيعاً ، ففتحوها في ثلاثة أيام ، ودخلوا بيت الصنم وحوله من أصنام الذهب والمرصع بأنواع الجواهر عدة كثيرة محيطة بعرشه يدعون أنها الملائكة فأحرق المسلمون الصنم ، ووجد وافي أذنه نيفاً وثلاثين حلقة ، فسألهم محمود عن معنى ذلك فقالوا : لكل حلقة عبادة ألف سنة ، وكلما عبدوه ألف سنة علقوا في أذنه حلقة . وذكروا من أخبار هذا الصنم هذياناً يطول ذكره ، حذفت بعضه ، وذكرت بعضه ، وبعض المؤرخين حذف الجميع ، وبعضهم ذكر الجميع . ومما ذكروا عن السلطان محمود ما هو مشهور ، ومن فضل مذهب الشافعي معدود ما سيأتي الآن ذكره ، ويعلم منه فضل المذهب المذكور وفخره ، قضية عجيبة مشتملة على نادرة غريبة ، وهي ما ذكره إمام الحرمين : فحل الفروع والأصليين أبو المعالي عبد الملك ابن شيخ الإسلام ، أبي محمد الجويني في كتابه الموسوم بمغيث الخلق في اختيار الحق أن السلطان محمود المذكور كان على مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وكان مولعاً بعلم الحديث ، وكان الناس أو قال : الفقهاء يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه ، وهو يسمع ، وكان يستفسر الأحاديث ، فوجد أكثرها موافقاً لمذهب الشافعي رضي الله عنه ، فوقع في خلده حبه ، فجمع الفقهاء من الفريقين في مرو ، والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر ، فوقع الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الشافعي ، وركعتين على مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنهما ، يقتصر فيهما على أقل الفروض ، لينظر فيها السلطان ، ويتفكر ، ويختار . ما هو أحسنه ، فصلى القفال المروزي بطهارة مسبغة وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة واستقبال القبلة ، واتى بالأركان والفرائض على وجه الكمال والتمام ، وكانت صلاة لا يجوز الشافعي دونها ، ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة ، ولبس جلد كلب مدبوغ ، ولطخ ربعه بالنجاسات ، وتوضأ بنبيذ التمر وكانت في صميم الصيف في المفازة ، فاجتمع عليه الذباب والبعوض ، وكان وضوءه منكوساً منكساً ، ثم استقبل القبلة ، وأحرم بالصلاة من غير نية للوضوء ، وكبر بالفارسية ، ثم قرأ آية بالفارسية دوبرك كل سبز ثم نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ومن غير ركوع ، وتشهد وضرط